"لماذا لم يتقدم العلماء في معركة تحرير سوريا؟ الموقف من مشايخ النظام"

259 مشاهدة
2025 Mar

شكّل موقف العلماء ورجال الدين في سوريا واحدًا من أكثر الملفات حساسية خلال سنوات الصراع، لأن المؤسسة الدينية السورية لم تكن كتلة واحدة تحمل موقفًا موحدًا. فمنذ بداية الاحتجاجات عام 2011، انقسم العلماء بين من أيّد الحراك الشعبي، ومن حاول الابتعاد عن المواجهة السياسية، ومن اختار الوقوف إلى جانب نظام بشار الأسد.

وكانت البيئة التي عمل فيها العلماء شديدة التعقيد. فقد خضعت المؤسسات الدينية في سوريا لعقود لرقابة الدولة وأجهزتها الأمنية، وكانت علاقة العلماء بالسلطة متفاوتة؛ فبعضهم كان قريبًا من النظام، بينما حافظ آخرون على قدر من الاستقلال أو ابتعدوا عن العمل السياسي المباشر. وتشير دراسة لمؤسسة كارنيغي إلى أن المؤسسة الدينية السنية في دمشق كانت موزعة بين مدارس ومعاهد وجمعيات وشخصيات ذات علاقات متفاوتة مع الدولة، ولم تكن موحدة تحت قيادة دينية واحدة.

لماذا اختلف موقف العلماء من الثورة السورية؟

لم يكن العلماء في وضع واحد يستطيعون من خلاله اتخاذ القرار نفسه. فقد كان بعضهم يعيش داخل مناطق يسيطر عليها النظام، في ظل بيئة أمنية شديدة الرقابة، بينما غادر آخرون البلاد وأصبحوا أكثر قدرة على التعبير عن مواقف معارضة.

كما اختلف العلماء أنفسهم في رؤيتهم للثورة وطريقة التعامل معها. فهناك من رأى أن مواجهة النظام واجب أخلاقي بسبب ما تعرض له المدنيون من قمع وانتهاكات، بينما خشي آخرون من أن يؤدي الصراع المسلح إلى مزيد من الفوضى والقتل والانقسام داخل المجتمع.

ولهذا فإن سؤال "لماذا لم يتقدم العلماء المعركة؟" لا يمكن الإجابة عنه باعتبار أن العلماء جميعًا كانت لديهم الظروف نفسها أو المواقف نفسها. فالدور الديني يختلف أيضًا عن الدور العسكري، ولم يكن كل عالم أو داعية مطالبًا بأن يتحول إلى مقاتل.

وإضافة إلى ذلك، تحولت الأزمة السورية سريعًا من احتجاجات داخلية إلى حرب معقدة تشارك فيها جماعات مسلحة متعددة وقوى إقليمية ودولية. وهذا جعل المواقف أكثر صعوبة، لأن دعم الثورة لم يكن يعني بالضرورة دعم كل جماعة ظهرت داخل ساحة القتال.

ماذا عن المشايخ الذين وقفوا مع النظام السوري؟

في المقابل، ارتبط عدد من المؤسسات والشخصيات الدينية بصورة مباشرة بالدولة السورية خلال حكم الأسد. وتوضح دراسات كارنيغي أن النظام عمل على إعادة تنظيم المجال الديني وتعزيز المؤسسات والشخصيات التي يمكنها العمل ضمن الإطار الرسمي للدولة، وأن بعض المؤسسات الدينية أصبحت جزءًا واضحًا من المؤسسة الدينية الرسمية.

وينظر معارضو النظام إلى بعض هؤلاء المشايخ باعتبارهم قدّموا غطاءً دينيًا للسلطة في وقت كانت فيه البلاد تشهد انتهاكات واسعة. وفي المقابل، قدم بعض رجال الدين المؤيدين للنظام مواقفهم باعتبارها دفاعًا عن الدولة ومنعًا لانهيار المؤسسات أو انتشار الجماعات المتطرفة.

ومن المهم هنا التمييز بين تقييم المواقف السياسية وبين إثبات المسؤولية عن الجرائم. فالمسؤولية عن الانتهاكات تحتاج إلى أدلة وتحقيقات، ولا يمكن تحميل كل شخص مؤيد للنظام المسؤولية نفسها لمجرد موقفه السياسي.

لكن العلماء، بسبب مكانتهم وتأثيرهم في المجتمع، يتحملون مسؤولية إضافية في الخطاب الذي يقدمونه للناس. فالكلمة الدينية عندما تستخدم لتبرير الظلم أو تجاهل معاناة المدنيين يمكن أن تترك أثرًا طويلًا على ثقة الناس في المؤسسات الدينية.

ما الدرس الذي تكشفه التجربة السورية؟

تكشف التجربة السورية أن العلاقة بين العلماء والسلطة تحتاج دائمًا إلى مساحة من الاستقلال، لأن العالم الذي يصبح مرتبطًا بالكامل بموقف سياسي قد يجد صعوبة في القيام بدوره في النصح أو الاعتراض على الأخطاء.

كما تؤكد هذه التجربة أن العلماء لا يقومون جميعًا بالدور نفسه. فقد يكون دور بعضهم التعليم، ودور آخرين الدفاع عن حقوق الناس أو توثيق الانتهاكات أو تقديم الدعم الاجتماعي، بينما لا يعني عدم المشاركة العسكرية بالضرورة غياب الموقف.

وبعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، دخلت سوريا مرحلة جديدة أعادت فتح النقاش حول دور المؤسسات الدينية ومستقبل علاقتها بالدولة الجديدة. ولا تزال البلاد في 2026 تواجه تحديات مرتبطة بإعادة بناء المؤسسات وتحقيق المصالحة ومنع الانقسامات الطائفية والسياسية من التحول إلى صراعات جديدة.

ولهذا فإن تقييم دور العلماء خلال سنوات الثورة والحرب يحتاج إلى دراسة كل شخصية ومؤسسة في سياقها، بدلًا من وضع الجميع في تصنيف واحد بين مؤيد ومعارض، لأن الواقع السوري كان أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير.

قد يعجيك أيضاً

عرض الكل

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي | بودكاست فنجان

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي | بودكاست فنجان

الأكثر مشاهدة - Most Watched

421903 مشاهدة
2022 Dec
لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان

لماذا خسر المسلمون الحضارة العربية | بودكاست فنجان

Podcast

7151 مشاهدة
2023 Mar
مع محافظ صندوق الاستثمارات العامة | بودكاست سقراط

مع محافظ صندوق الاستثمارات العامة | بودكاست سقراط

Podcast

5208 مشاهدة
2023 Mar
كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًا | بودكاست فنجان

كيف أصبحنا جيلًا هشًّا نفسيًا | بودكاست فنجان

Podcast

13953 مشاهدة
2023 Sep
المال الحلال مع محمد أبو النجا نجاتي | لقاء مع د. شيرين حلمي

المال الحلال مع محمد أبو النجا نجاتي | لقاء مع د. شيرين حلمي

الأكثر مشاهدة - Most Watched

10989 مشاهدة
2025 Jan
كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي, بودكاست فنجان

كيف تنجح العلاقات مع ياسر الحزيمي, بودكاست فنجان

الأكثر مشاهدة - Most Watched

22770 مشاهدة
2025 Jan